سميح عاطف الزين
440
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
في ثورته تلك تعبير رائع عن العهد الذي قطعه بنو هاشم على أنفسهم ، في منع محمد وحمايته . . وتأكيد من حمزة بالذات على اعتزازه بنفسه ، واعتداده بشجاعته ، إذ لم يلبث بعد أن ضرب أبا جهل بقوسه أن استلّ سيفه من غمده ، ووقف قبالة أولئك النفر ، يتهددهم بالموت الزؤام ، إن سوّلت لأحد نفسه أن يقاتله . . وتوجه بعد ذلك حمزة إلى داره وهو يقول في نفسه : . . . ما الذي دعاني لأعلن أمام الناس بأنني على دين محمد ؟ . وجاء الليل وبات أرقا لا يغمض له جفن ، ولا يهدأ له أوار . . إنه يتفكّر بما قاله أمام بني مخزوم ، وبما يجب عليه عمله للحفاظ على كرامته . . فهو علم في قريش ، وإذا قال شيئا فإنه يلزم نفسه به ، لأنه يكون حجة عليه ، بل وحجة على بني هاشم ، الذين عرفهم القوم أهل قول صدق وصفاء سريرة . . . فماذا عساه أن يفعل ؟ ! . . وعند الفجر ، وفي ساعة الصفاء والسكون ، إلّا من أصوات ديكة مكة ، تصيح مؤذنة باقتراب طلوع صباح جديد ، جاءه الإلهام ، فقال في نفسه : « اللهمّ إن كان ما صنعته خيرا ، فاجعل تصديقه في قلبي ، وإلّا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا » . . لقد سلّم حمزة أمره لخالقه ، فذهب في الصباح ، وطاف حول الكعبة المكرمة ، ثم قصد دار ابن أخيه محمد بن عبد اللّه . . واستقبله النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو يرى القلق باديا عليه ، فأجلسه بقربه يسأله عما ألمّ به ، محاولا أن يسرّي عنه ، وهو يكبر فيه تلك الهمة العالية في تلقينه لأبي جهل درسا لن ينساه في حياته . .